تلاوة القرآن الكريم هي غذاء الروح وشفاء الصدور، وكلما تأمل القارئ في التلاوة وجد آيات تحتاج إلى فهم أعمق ولربما حاول تفسير ما يقرآ بحسب رأيه دون الاستناد إلى الضوابط العلمية، وللأسف قد يخطئ في بعض الأحيان فيخل بالمعنى ويفهم الآيات بغير ما أراده الله.
فما هي الأسباب التي تجعلنا نخطئ في فهم مراد الله، وما هي إشكالية “تفسير القرآن الكريم بالرأي”؟ وكيف نصل إلى اليقين في الفهم.
في هذا المقال نستعرض مفهوم تفسير القرآن الكريم بالرأي، ونوضح شروطه، وأهم أسباب الخطأ فيه، والسبيل إلى التفسير والفهم القائم على العلم والدليل.
ما هو تفسير القرآن الكريم بالرأي؟
تفسير القرآن بالرأي هو أن يحاول القارئ شرح معاني الآيات واستنباط الأحكام منها اعتماداً على “اجتهاده الشخصي” وفهمه الخاص، دون الرجوع إلى الضوابط الشرعية أو المصادر الأصيلة كالسنة النبوية وأقوال الصحابة وقواعد اللغة العربية.
ومن المهم أن نعرف أن “الرأي” في تفسير القرآن الكريم ينقسم إلى طريقين:
- رأيٌ محمود (مقبول): وهو الذي يصدر عن عالم متمكن، يمتلك أدوات اللغة والعلم، ويكون رأيه موافقاً لروح الشريعة ومنضبطاً بقواعدها.
- رأيٌ مذموم (مرفوض): وهو أن يتكلم الشخص في القرآن بما يجهل، أو يفسره بناءً على “مزاج شخصي” أو هوىً فكري، أو محاولة إجبار الآيات لتوافق رأيه الخاص. وهذا النوع هو الذي حذر منه النبي ﷺ بقوله: “من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار“.
شروط التفسير بالرأي الصحيح: متى يكون الاجتهاد مقبولاً؟
لكي يكون التفسير بالرأي مقبولاً ولا يقع صاحبه في “التفسير المذموم”، وضع العلماء حزمة من الشروط والضوابط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لبيان مراد الله، وأهمها:
- صحة الاعتقاد: يجب أن يكون المفسر سليم العقيدة، فمن كان صاحب هوى سيتأول الآيات حتماً لتنصر مذهبه وتوافق فكره المنحرف.
- التمكن من علوم اللغة: نزل القرآن الكريم بلسان عربي. لذا يشترط في المفسر أن يكون عالماً بالنحو، والصرف، والاشتقاق، وعلوم البلاغة (المعاني، والبيان، والبديع)، ليفهم دلالات الألفاظ و أسرار التعبير القرآني.
- الإلمام بعلوم القرآن الأساسية: مثل أسباب النزول (لفهم السياق)، والناسخ والمنسوخ (لمعرفة الأحكام المستمرة والمنسوخة)، وعلم القراءات الذي قد يغير معنى الآية أحياناً.
- معرفة أصول الفقه: ليفهم المفسر كيف يستنبط الحكم، ويميز بين العام والخاص، والمطلق والمقيد.
- الاعتماد على المأثور أولاً: فلا يجوز للمفسر أن يجتهد برأيه في آية ورد فيها تفسير صريح عن النبي ﷺ أو أجمع عليها الصحابة والتابعون.
- التجرد عن الهوى: أن يكون هدف المفسر هو الوصول لمراد الله الحقيقي، لا البحث عن “أدلة” تدعم رأياً شخصياً أو توجهاً سياسياً مسبقاً لديه أو تساعده في المحاججة.
أسباب الخطأ في تفسير القرآن الكريم بالرأي
أولاً: الأسباب العلمية
قد يكون الخطأ هنا ليس بسوء نية، وإنما نتاج فجوة في الأدوات التي يحتاجها أي مفسر:
- المعاني المعاصرة: القرآن نزل بلسان عربي مبين، وبعض الكلمات تغير معناها عبر الزمن؛ فمن يفسر كلمة “سيارة” في سورة يوسف بالمركبة الحديثة يقع في خطأ فادح، لأن معناها “القافلة”.
- عزل الآية عن سياقها: القرآن بناء متصل، وتفسير آية واحدة دون النظر لما قبلها وما بعدها يقطع حبل المعنى ويؤدي لاستنتاجات مشوهة.
- الجهل بأسباب النزول: لكل آية قصة وظرف زماني ومكاني، والجهل بهذا الظرف يجعل القارئ يطبق أحكاماً خاصة في مواقف عامة أو العكس.

ثانياً: الأسباب الفكرية والعقائدية
أحياناً يقرأ الشخص القرآن ليجد ما يثبت رأيه هو، لا ليعرف رأي الدين:
- ليّ أعناق النصوص: أن يكون لدى القارئ فكرة سياسية أو مذهبية، فيبحث في الآيات عما يشبهها ويؤولها قسراً لتوافق هواه.
- التعصب المذهبي: الانغلاق على فهم ضيق ورفض أي تفسير آخر، مما يحرم القارئ من سعة القرآن وجمال تعدده.
- الاعتماد على “الإسرائيليات”: إدخال قصص وخرافات لم تثبت في الشرع لتفسير قصص الأنبياء، مما يخلط الحق بالباطل.
ثالثاً: الأسباب المعاصرة
في زمن السرعة ووسائل التواصل، ظهرت أنواع جديدة من أخطاء التفسير:
- التكلف في الإعجاز العلمي: محاولة ربط كل نظرية علمية (قد تتغير غداً) بآية قرآنية بشكل قسري، مما قد يعرض النص للشك إذا تغير العلم.
- الإسقاطات الواقعية: تحميل الآيات صراعات الواقع ومشاكله السياسية والاجتماعية وتفسيرها بما يخدم طرفاً ضد آخر.
- شهوة الانفراد: الرغبة في تقديم “تفسير مختلف” لم يسبقه إليه أحد فقط لجذب الانتباه ومخالفة ما استقر عليه كبار العلماء.
رابعاً: الخلط بين التدبر والتفسير
هذه هي الحلقة المفقودة التي يقع فيها الكثيرون؛ فالله تعالى أمرنا بالتدبر قائلاً: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}. لكن هناك فرقاً شاسعاً بينهما:
- التدبر: هو عملية “قلبية” تهدف للاتعاظ والخشوع وتطبيق الآية على النفس (مثلاً: كيف أكون صادقاً مثلما تأمرني الآية؟). وهذا متاح لكل مسلم.
- التفسير: هو عملية “علمية” تهدف لبيان مراد الله واستنباط الأحكام (مثلاً: ما هي شروط الصدق في هذه الآية وما حدودها؟). وهذا لا يجوز إلا بدليل وأدوات علمية.
الخطأ يقع حين يظن القارئ أن “تدبره” الشخصي يعطيه الحق في أن “يفسر” الآية لغيره بعيداً عن أقوال أهل العلم.
محتوى ذو صلة: ما الفرق بين التدبر والتفسير
الوصول إلى الفهم الصحيح لآيات القرآن لا يتحقق بالاجتهاد الفردي فقط، بل بالرجوع إلى مصادر تجمع بين أصالة العلم وسهولة الفهم. ومن هنا جاءت فكرة “التفسير المسطور”، ليكون مرجعاً عصرياً يقدم خلاصة التفاسير الموثوقة بلغة قريبة من القارئ المعاصر.
يقدّم الكتاب عرضاً مبسطاً لمعاني السور، مع إبراز الترابط بين الآيات وبيان السياق الذي نزلت فيه، مستنداً إلى أمهات كتب التفسير كابن كثير والطبري والقرطبي. بهذه المنهجية، يساعد القارئ على تدبر كلام الله بأمان علمي وطمأنينة فكرية، دون الوقوع في التفسير بالرأي أو التأويل المنحرف.
“التفسير المسطور” ليس مجرد كتاب، بل جسر يربط بين فهم السلف الصالح واحتياجات القارئ اليوم، ليبقى القرآن حيّاً في الوجدان ومفهوماً على وجهه الصحيح.
